الصالحي الشامي
124
سبل الهدى والرشاد
بثديهن يجوز أن يكون رأى أرواحهن وقد خلق من الآلام ما يجده من هذه حاله ، ويحتمل أيضا أن يكون مثلت له حالهن في الآخرة . التنبيه الثاني والأربعون : ذكره لإدريس في السماء الرابعة مع قوله تعالى : ( ورفعناه مكانا عليا ) ( مريم : 57 ) ، مع أنه قد رأى موسى وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهما في مكان أعلى من مكان إدريس ، فذلك - والله تعالى أع لم - لما ذكر عن كعب الأحبار أن إدريس خص من بين جميع الأنبياء بأنه رفع قبل وفاته إلى السماء الرابع ، رفعه ملك كان صديقا له وهو الملك الموكل بالشمس . وكان إدريس سأله أن يريه الجنة فأذن له الله في ذلك ، فلما كان في السماء الرابعة رآه هناك ملك الموت فعجب وقال : أمرت أن أقبض روح إدريس الساعة في السماء الرابعة فقبضه هنالك ، فرفعه حيا إلى ذلك المكان العلي الذي خص به دون سائر الأنبياء ، قاله السهيلي . وتقدم الكلام في النسب النبوي على قوله : " مرحبا بالأخ الصالح " . التنبيه الثالث والأربعون : قال العلماء : " لم يكن بكاء موسى حسدا ، معاذ الله ، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين ، فكيف بمن اصطفاهم الله تعالى ، بل كان أسفا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم والمستلزمة لتنقيص أجره ، لأن لكل نبي أجر من تبعه ، ولهذا كان من اتبعه في العدد دون من اتبع نبيا صلى الله عليه وسلم مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة . وقال ابن أبي حمزة : " قد جعل الله تعالى في قلوب أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الرحمة والرأفة لأمتهم ، وقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسئل عن بكائه فقال : " هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء " ( 1 ) . والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أخذوا من رحمة الله تعالى أوفر نصيب ، فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من غيرهم . فلأجل ما كان لموسى عليه الصلاة والسلام من الرحمة واللطف بكى إذا ذاك رحمة منه لأمته لأن هذا وقت إفضال وجود وكرم . فرجا لعله يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله تعالى أمته ببركة هذه الساعة . فإن قيل : كيف يكون هذا وأمته لا تخلو من قسمين : قسم مات على الإيمان ، قسم مات على الكفر فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة والذي مات على الكفر لا يدخل الجنة أبدا ، فبكاؤه لأجل ما ذكرتم لا يسوغ إذ أن الحكم فيه قد مر ونفذ . قيل في الجواب : وكذلك قدر الله عز وجل قدره على قسمين ، كما شاءت حكمته ، فقدر قدرا أن ينفذ على كل الأحوال وقدر قدرا وقدر ألا ينفذ ، ويكون وقوعه بسب دعاء أو صدقة أو غير ذلك " .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 2 / 100 ومسلم في كتاب الجنائز ( 11 ) .